يشهد قطاع الأعمال في المملكة العربية السعودية تحولات متسارعة مدفوعة برؤية المملكة 2030، وما يصاحبها من توسع في الاستثمارات، وتشديد في الأطر التنظيمية، وارتفاع توقعات أصحاب المصلحة. في هذا السياق، أصبحت مفاهيم الحوكمة والامتثال والاستدامة عناصر أساسية لنجاح الشركات، ولم يعد بالإمكان إدارتها بأساليب تقليدية أو قرارات ارتجالية.
وسط هذه التحولات، يبرز تساؤل استراتيجي لدى مجالس الإدارات والإدارات التنفيذية: هل ينبغي إعطاء الأولوية للتدقيق الداخلي أم لإدارة المخاطر؟ هذا السؤال تطرحه العديد من الشركات، سواء الناشئة أو العائلية أو المدرجة، خاصة عند التعامل مع شركة استشارات مالية في المملكة العربية السعودية تساعدها على بناء أطر رقابية فعّالة تتماشى مع البيئة التنظيمية المحلية.
أولًا: مفهوم التدقيق الداخلي في بيئة الأعمال السعودية
يُعد التدقيق الداخلي وظيفة مستقلة داخل المنشأة تهدف إلى تقييم فعالية أنظمة الرقابة الداخلية، وموثوقية التقارير المالية، وكفاءة العمليات التشغيلية، ومدى الالتزام بالأنظمة والتعليمات. في المملكة، تطور دور التدقيق الداخلي ليصبح شريكًا استراتيجيًا للإدارة وليس مجرد وظيفة رقابية لاحقة.
يعتمد التدقيق الداخلي على منهجية منظمة تقوم على التخطيط المبني على المخاطر، وتنفيذ المراجعات، ورفع التقارير الموضوعية، ومتابعة تنفيذ التوصيات. هذا الدور يسهم في كشف أوجه القصور قبل أن تتحول إلى مشكلات جوهرية تؤثر على السمعة أو المركز المالي.
ثانيًا: مفهوم إدارة المخاطر وأهميته للشركات
إدارة المخاطر هي عملية استباقية تهدف إلى تحديد وتحليل وتقييم المخاطر المحتملة التي قد تواجه الشركة، سواء كانت استراتيجية أو تشغيلية أو مالية أو تنظيمية. ثم يتم وضع آليات للتعامل معها إما بالتقليل أو النقل أو القبول أو التجنب.
في السوق السعودي، تزايد الاهتمام بإدارة المخاطر نتيجة التوسع في المشاريع الكبرى، والدخول في شراكات دولية، والتعامل مع سلاسل توريد معقدة. أصبحت إدارة المخاطر أداة حيوية لدعم اتخاذ القرار وضمان استمرارية الأعمال في بيئة تتسم بعدم اليقين.
ثالثًا: الفرق الجوهري بين التدقيق الداخلي وإدارة المخاطر
رغم التكامل بين الوظيفتين، إلا أن لكل منهما دورًا مختلفًا. إدارة المخاطر تركز على المستقبل، وتسعى إلى توقع ما قد يحدث واتخاذ إجراءات وقائية. أما التدقيق الداخلي فيركز على تقييم ما هو قائم بالفعل، وقياس مدى كفاءة الضوابط والإجراءات الحالية.
إدارة المخاطر تُعد مسؤولية مشتركة بين الإدارة التنفيذية وأصحاب العمليات، بينما يحافظ التدقيق الداخلي على استقلاليته ويقدم ضمانًا موضوعيًا لمجلس الإدارة. هذا الاختلاف يجعل المقارنة بينهما ليست مسألة تفضيل مطلق، بل اختيار استراتيجي يعتمد على احتياجات الشركة.
رابعًا: السياق التنظيمي في المملكة العربية السعودية
الجهات التنظيمية في المملكة، مثل الجهات المشرفة على السوق المالية والقطاع المصرفي والقطاعات الخاضعة للرقابة، تولي اهتمامًا كبيرًا بالحوكمة وإدارة المخاطر والرقابة الداخلية. وقد أصدرت العديد من اللوائح التي تلزم الشركات بإنشاء لجان مراجعة فعّالة وتبني أطر واضحة لإدارة المخاطر.
هذا الإطار التنظيمي يجعل من الضروري على الشركات ألا تنظر إلى التدقيق الداخلي أو إدارة المخاطر كخيار، بل كمتطلب أساسي للامتثال وحماية مصالح المساهمين وأصحاب المصلحة.
خامسًا: لماذا يُعد التدقيق الداخلي عنصرًا محوريًا؟
تكمن قوة التدقيق الداخلي في قدرته على تقديم رؤية مستقلة حول كفاءة العمليات وفعالية الضوابط. بالنسبة لـ التدقيق الداخلي للشركات، فهو أداة أساسية لاكتشاف نقاط الضعف، والحد من الاحتيال، وتحسين استخدام الموارد، وتعزيز الشفافية داخل المنشأة.
كما يساعد التدقيق الداخلي مجالس الإدارات على الوفاء بمسؤولياتهم الرقابية، ويمنحهم الثقة في أن الأنظمة المعمول بها تعمل بالشكل المطلوب، أو يحدد بوضوح أين يجب التدخل والتحسين.
سادسًا: متى تكون أولوية التدقيق الداخلي أعلى؟
تكون أولوية التدقيق الداخلي أعلى في الشركات التي تشهد نموًا سريعًا، أو توسعًا في العمليات، أو تعقيدًا في الهياكل التنظيمية. كذلك في الشركات التي مرت بتجارب سابقة من مخالفات أو خسائر غير متوقعة، حيث يصبح من الضروري تعزيز الرقابة الداخلية.
كما أن الشركات المدرجة أو التي تستعد للطرح العام تحتاج إلى وظيفة تدقيق داخلي قوية لتلبية متطلبات الإفصاح والحوكمة، وبناء ثقة المستثمرين.
سابعًا: متى تبرز أولوية إدارة المخاطر؟
في المقابل، تبرز إدارة المخاطر كأولوية عندما تكون الشركة مقبلة على قرارات استراتيجية كبيرة، مثل الدخول في أسواق جديدة، أو إطلاق منتجات مبتكرة، أو تنفيذ مشاريع رأسمالية ضخمة. هنا يكون التركيز على فهم المخاطر المحتملة وتأثيرها على الأهداف الاستراتيجية.
إدارة المخاطر تساعد الإدارة العليا على الموازنة بين الفرص والتحديات، وتمنحها إطارًا منهجيًا لاتخاذ قرارات مدروسة بدلًا من الاعتماد على الحدس أو التجربة.
ثامنًا: التكامل بدل المفاضلة
السؤال الحقيقي الذي ينبغي على الشركات السعودية طرحه ليس: أيهما نختار؟ بل: كيف نضمن التكامل بين التدقيق الداخلي وإدارة المخاطر؟ عندما تعمل الوظيفتان بتناغم، تتحقق قيمة مضافة حقيقية.
إدارة المخاطر تحدد المجالات ذات الأولوية العالية، والتدقيق الداخلي يستخدم هذه المدخلات لتوجيه خططه ومراجعاته. في المقابل، نتائج التدقيق الداخلي تغذي عملية إدارة المخاطر بمعلومات واقعية حول فعالية الضوابط.
تاسعًا: دور مجلس الإدارة ولجان المراجعة
يلعب مجلس الإدارة، ولجنة المراجعة على وجه الخصوص، دورًا محوريًا في تحديد التوازن المناسب بين الوظيفتين. من خلال الإشراف الفعّال، وضمان الاستقلالية، وتوفير الموارد اللازمة، يمكن للمجلس أن يضمن تحقيق أقصى استفادة من التدقيق الداخلي وإدارة المخاطر معًا.
هذا الدور الرقابي يعزز الثقة لدى الجهات التنظيمية والمستثمرين، ويؤكد التزام الشركة بأفضل ممارسات الحوكمة المؤسسية.
عاشرًا: أثر التحول الرقمي على الوظيفتين
التحول الرقمي في المملكة، واعتماد التقنيات الحديثة، غير من طبيعة المخاطر ووسائل الرقابة. ظهرت مخاطر سيبرانية وتقنية جديدة، ما يتطلب تطوير أدوات إدارة المخاطر وأساليب التدقيق الداخلي.
أصبح استخدام التحليلات المتقدمة والبيانات الضخمة عنصرًا أساسيًا لرفع كفاءة الوظيفتين، وتمكينهما من تقديم رؤى أعمق وأكثر دقة لدعم اتخاذ القرار.
الحادي عشر: بناء الكفاءات والقدرات الوطنية
نجاح التدقيق الداخلي وإدارة المخاطر يعتمد بشكل كبير على الكفاءات البشرية. الاستثمار في تأهيل الكوادر الوطنية، ومنحهم التدريب والشهادات المهنية، يعزز من جودة الأداء ويضمن استدامة هذه الوظائف داخل الشركات السعودية.
كما يسهم ذلك في تحقيق أحد أهداف رؤية المملكة 2030 المتمثل في توطين الوظائف المتخصصة ورفع كفاءة رأس المال البشري.
الثاني عشر: قياس الأداء والقيمة المضافة
من المهم أن تتمكن الشركات من قياس القيمة المضافة لكل من التدقيق الداخلي وإدارة المخاطر. لا يقتصر القياس على عدد التقارير أو الاجتماعات، بل يشمل مدى تأثير التوصيات على تحسين الأداء وتقليل الخسائر ودعم الأهداف الاستراتيجية.
هذا القياس يساعد الإدارة على توجيه الموارد بالشكل الأمثل، وتطوير الوظيفتين بما يتناسب مع احتياجات العمل المتغيرة.
الثالث عشر: منظور استراتيجي لصناع القرار
عند النظر من منظور استراتيجي، يتضح أن إعطاء الأولوية المطلقة لإحدى الوظيفتين على حساب الأخرى قد يحد من فعالية منظومة الحوكمة. الشركات الأكثر نضجًا هي التي تنظر إلى التدقيق الداخلي وإدارة المخاطر كجزء من منظومة متكاملة لإدارة الأعمال.
هذا المنظور يعزز القدرة على التكيف مع المتغيرات، ويمنح الشركة مرونة أعلى في مواجهة التحديات المستقبلية.
الرابع عشر: نحو منظومة رقابية متكاملة
في نهاية المطاف، تحتاج الشركات السعودية إلى بناء منظومة رقابية شاملة تجمع بين التخطيط الاستباقي للمخاطر، والتقييم المستقل للضوابط. ضمن هذه المنظومة، تأتي خدمات التدقيق الداخلي كعنصر داعم يضمن استمرارية التحسين، ويعزز الثقة في سلامة القرارات والإجراءات، دون أن يكون ذلك على حساب الدور الحيوي لإدارة المخاطر في حماية مستقبل الشركة.
اقرأ أيضًا: