في بيئة الأعمال السعودية المتسارعة، لم يعد الدور التقليدي للمدير المالي مقتصرًا على إعداد القوائم المالية أو ضبط الميزانيات، بل أصبح محورًا استراتيجيًا في الحوكمة، وإدارة المخاطر، وضمان الامتثال. ومع التحولات التنظيمية، وتنامي متطلبات الشفافية، واتساع نطاق العمليات، برز التدقيق الداخلي كأحد أكثر الملفات حساسية وإثارة للقلق لدى المديرين الماليين في المملكة.
التدقيق الداخلي بين التوقعات والواقع
ينظر المديرون الماليون إلى التدقيق الداخلي بوصفه خط الدفاع الثالث داخل المنشأة، إلا أن الفجوة بين الدور المتوقع والأداء الفعلي لا تزال مصدر قلق حقيقي. فبينما يُفترض أن يقدّم التدقيق الداخلي رؤى استباقية، وتقييمًا شاملًا للمخاطر، تظل بعض الإدارات حبيسة نماذج تقليدية تركّز على الالتزام الشكلي أكثر من القيمة المضافة. في هذا السياق، تظهر تجارب السوق المحلية، ومنها ما يُطرح عبر إنسايتس السعودية للاستشارات، لتكشف حجم التحدي في مواءمة التدقيق الداخلي مع تطلعات القيادات المالية.
تعقيد الأطر التنظيمية والرقابية
أحد أبرز مصادر القلق يتمثل في التغيّر المستمر للأطر التنظيمية في المملكة. فالتحديثات المتكررة في الأنظمة، وتعدد الجهات الرقابية، يفرضان على المدير المالي مسؤولية التأكد من أن أنشطة التدقيق الداخلي مواكبة لهذه المتطلبات دون تأخير أو تضارب. أي قصور في الفهم أو التطبيق قد يعرّض المنشأة لمخاطر قانونية وسمعة سلبية يصعب احتواؤها لاحقًا.
استقلالية وظيفة التدقيق الداخلي
الاستقلالية ليست مفهومًا نظريًا بالنسبة للمديرين الماليين، بل مسألة عملية تؤثر مباشرة في جودة النتائج. كثيرًا ما يواجه المدير المالي معضلة تحقيق التوازن بين إشرافه الإداري على فرق التدقيق الداخلي وضمان استقلاليتها الكاملة في التقييم ورفع التقارير. ضعف هذا التوازن قد يؤدي إلى تقارير مجاملة، أو تجاهل مخاطر جوهرية، وهو ما يثير قلقًا عميقًا لدى القيادات المالية الحريصة على نزاهة الحوكمة.
جودة الكفاءات والمهارات المتخصصة
مع تطور نماذج الأعمال، لم تعد المهارات المحاسبية التقليدية كافية. المديرون الماليون في السعودية يقلقون من فجوة المهارات داخل إدارات التدقيق الداخلي، خاصة في مجالات تحليل البيانات، وإدارة المخاطر المؤسسية، والتقنية المالية. نقص الكفاءات المؤهلة يحد من قدرة التدقيق الداخلي على اكتشاف المخاطر الناشئة، ويحوّله إلى وظيفة رد فعل بدلًا من شريك استراتيجي.
محدودية القيمة المضافة مقابل التكلفة
من القضايا الجوهرية التي تشغل بال المدير المالي السؤال الدائم: هل ما يُنفق على التدقيق الداخلي يوازي القيمة المحققة؟ في بعض المنشآت، تُمارَس خدمات التدقيق الداخلي بصورة روتينية تركز على الفحص الدوري دون تقديم توصيات عملية قابلة للتنفيذ. هذا النمط يولّد شعورًا بأن التدقيق الداخلي عبء تشغيلي لا أداة دعم للقرار، وهو ما يثير قلق المديرين الماليين الساعين لتعظيم العائد من كل وظيفة داخل المنشأة.
إدارة المخاطر في بيئة غير مستقرة
تشهد الأسواق تقلبات متسارعة، سواء على مستوى سلاسل الإمداد، أو التمويل، أو التغيرات الجيوسياسية. في هذا المشهد، يتوقع المدير المالي من التدقيق الداخلي أن يكون في صدارة منظومة إدارة المخاطر. إلا أن القلق يتزايد عندما تقتصر خطط التدقيق على مخاطر تقليدية، وتتجاهل سيناريوهات مستقبلية قد يكون أثرها أشد على الاستدامة المالية.
التكامل مع الحوكمة واللجان المنبثقة
يمثل التنسيق بين التدقيق الداخلي ولجان المراجعة ومجالس الإدارة تحديًا آخر. المديرون الماليون يقلقون من ضعف التواصل أو غموض الأدوار، ما قد يؤدي إلى ازدواجية الجهود أو فجوات رقابية. غياب التكامل الفعّال يقلل من فاعلية التقارير، ويضعف ثقة أصحاب المصلحة في منظومة الرقابة الداخلية ككل.
التحول الرقمي ومخاطر التقنية
مع التوسع في الأنظمة الرقمية، والاعتماد على الحلول التقنية في العمليات المالية، برزت مخاطر جديدة تتعلق بالأمن السيبراني وسلامة البيانات. كثير من المديرين الماليين يرون أن التدقيق الداخلي لم يواكب بعد هذا التحول بالسرعة المطلوبة. القلق هنا لا يتعلق بالتقنية ذاتها، بل بقدرة فرق التدقيق على فهمها وتقييم مخاطرها بعمق.
ثقافة الالتزام داخل المنشأة
لا يمكن للتدقيق الداخلي أن ينجح بمعزل عن ثقافة مؤسسية داعمة. المديرون الماليون يشعرون بالقلق عندما يواجهون مقاومة داخلية لتوصيات التدقيق، أو عندما يُنظر إلى التدقيق الداخلي كجهة تفتيشية لا شريك تطوير. هذه الثقافة تُفرغ التقارير من مضمونها، وتحد من فرص التحسين المستمر.
توقيت التقارير وسرعة الاستجابة
في عالم تتغير فيه المخاطر بسرعة، يصبح توقيت تقرير التدقيق عاملًا حاسمًا. أحد مصادر القلق الشائعة هو تأخر التقارير أو بطء تنفيذ التوصيات. المدير المالي يحتاج إلى معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب لدعم قراراته، وأي تأخير قد يفوّت فرصًا أو يفاقم مخاطر قائمة.
مواءمة التدقيق الداخلي مع الاستراتيجية
أخيرًا، يقلق المديرون الماليون من انفصال التدقيق الداخلي عن الأهداف الاستراتيجية للمنشأة. عندما تُعد خطط التدقيق دون ربطها بخطط النمو، أو التوسع، أو التحول، يفقد التدقيق دوره كأداة استشرافية. هنا تبرز الحاجة إلى تبنّي استشارات التدقيق الداخلي التي تنظر إلى الرقابة من منظور استراتيجي شامل، يدعم الاستدامة ويعزز ثقة القيادات المالية في هذه الوظيفة الحيوية.
اقرأ أيضًا: