تشهد بيئة الأعمال في السعودية تحولًا مؤسسيًا متسارعًا مدفوعًا برؤية تنموية شاملة تعزز الحوكمة والشفافية والاستدامة. وفي قلب هذا التحول تبرز الحاجة إلى مواءمة الامتثال لأحكام الشريعة الإسلامية مع الممارسات الحديثة في التدقيق، بما يحقق الانسجام بين القيم الشرعية والمتطلبات المهنية العالمية. إن هذا التلاقي ليس مجرد خيار تنظيمي، بل ضرورة استراتيجية تضمن الثقة، وتعزز الكفاءة، وتدعم النمو المسؤول في القطاعات الحكومية والخاصة على حد سواء.
التدقيق كأداة حوكمة من منظور شرعي ومهني
يمثل التدقيق وظيفة حوكمة محورية تهدف إلى التحقق من سلامة العمليات، ودقة التقارير، وكفاءة الضوابط. ومن المنظور الشرعي، يتقاطع التدقيق مع مبادئ الأمانة، والعدل، والمسؤولية، ومنع الغرر والضرر. وفي السياق السعودي، تتسع دائرة التوقعات لتشمل تحقيق الامتثال الشرعي جنبًا إلى جنب مع المعايير المهنية المعاصرة، الأمر الذي يفرض تطوير أطر عمل متكاملة للتدقيق، بما في ذلك خدمات التدقيق الداخلي التي تُصمم لتراعي الخصوصية الشرعية دون الإخلال بالصرامة المهنية.
مرتكزات الامتثال للشريعة الإسلامية في الأنشطة المؤسسية
يقوم الامتثال للشريعة على جملة من المرتكزات التي تؤثر مباشرة في تصميم السياسات والإجراءات، مثل تحريم الربا، وتجنب المعاملات المحفوفة بالغرر، والالتزام بمقاصد الشريعة في حفظ المال وتحقيق العدالة. ويستلزم ذلك أن تكون أنشطة التدقيق قادرة على تقييم مدى توافق المنتجات والخدمات والعقود مع هذه المرتكزات، عبر أدوات تقييم واضحة ومعايير فحص قابلة للقياس، بما يضمن سلامة الامتثال دون تعطيل الابتكار المؤسسي.
تطور ممارسات التدقيق الحديثة ومتطلبات المواءمة
شهدت ممارسات التدقيق الحديثة تطورًا ملحوظًا من حيث الاعتماد على المنهج القائم على المخاطر، واستخدام التقنيات التحليلية، وتكامل البيانات، وتعزيز الاستقلالية والموضوعية. وتكمن فجوة المواءمة في أن هذه الممارسات صُممت غالبًا في بيئات قانونية واقتصادية مختلفة، ما يتطلب تكييفها لتتلاءم مع الإطار الشرعي المحلي. ويشمل ذلك إعادة تعريف المخاطر لتتضمن مخاطر عدم الامتثال الشرعي، وتوسيع نطاق الاختبارات لتغطي الجوانب الفقهية ذات الصلة.
الأطر التنظيمية السعودية ودورها في ردم الفجوة
أسهمت الأطر التنظيمية في السعودية في ترسيخ متطلبات الحوكمة والامتثال، عبر سياسات ومعايير تعزز النزاهة والشفافية. وتُعد هذه الأطر منصة داعمة لدمج الاعتبارات الشرعية ضمن منظومة التدقيق، من خلال توجيه المؤسسات إلى تبني ضوابط داخلية واضحة، وتوثيق العمليات، وتعزيز المساءلة. كما تُشجع هذه البيئة التنظيمية على تطوير كفاءات وطنية قادرة على الجمع بين المعرفة الشرعية والمهارات المهنية في التدقيق.
دور الخبرات الاستشارية في بناء النماذج المتكاملة
تواجه العديد من المؤسسات تحديات عملية في ترجمة المبادئ الشرعية إلى إجراءات تدقيق قابلة للتطبيق. وهنا يبرز دور شركات استشارية في المملكة العربية السعودية في تقديم نماذج تشغيلية متكاملة تجمع بين الفقه المالي والمعايير المهنية، وتدعم بناء السياسات، وتصميم البرامج، وتدريب الكوادر. ويسهم هذا الدعم في تسريع نضج وظائف التدقيق، وتقليل مخاطر عدم الامتثال، وتعزيز ثقة أصحاب المصلحة.
بناء القدرات البشرية متعددة التخصصات
لا يمكن تحقيق المواءمة المنشودة دون الاستثمار في رأس المال البشري. إذ تتطلب المرحلة الحالية كوادر تمتلك فهمًا عميقًا لمقاصد الشريعة، إلى جانب إتقان أدوات التدقيق الحديثة والتحليل القائم على المخاطر. ويشمل ذلك تطوير برامج تدريبية متخصصة، وتشجيع التعلم المستمر، وبناء مسارات مهنية تدمج بين التخصصات، بما يعزز جودة الأحكام المهنية ويحد من التفسيرات المتباينة.
التكامل بين التقنية والامتثال الشرعي
أصبحت التقنية عنصرًا حاسمًا في تطوير ممارسات التدقيق، سواء عبر أتمتة الاختبارات، أو تحليل البيانات الضخمة، أو تعزيز المراقبة المستمرة. ويتيح هذا التكامل فرصًا كبيرة لدعم الامتثال الشرعي من خلال تتبع المعاملات، ورصد الانحرافات، وتوفير أدلة تدقيق موثوقة. غير أن نجاح هذا التكامل يتطلب تصميم الأنظمة التقنية بما يراعي الخصوصية الشرعية، ويُدرج قواعد الامتثال ضمن منطق التشغيل ذاته.
الحوكمة المؤسسية وتعزيز الثقة المجتمعية
تُعد الحوكمة الرشيدة ركيزة أساسية لتعزيز الثقة بين المؤسسات والمجتمع. وعندما تنجح المؤسسات في سد الفجوة بين الامتثال الشرعي وممارسات التدقيق الحديثة، فإنها ترسل رسالة واضحة بالالتزام بالقيم الوطنية والدينية، إلى جانب الالتزام بالكفاءة والمساءلة. ويعزز ذلك سمعة المؤسسات، ويزيد من جاذبيتها الاستثمارية، ويدعم استدامتها على المدى الطويل.
آفاق التطوير المستقبلي لمنظومة التدقيق
تتجه منظومة التدقيق في السعودية نحو مزيد من النضج والتكامل، مدفوعة بالتحول الرقمي وتنامي التوقعات التنظيمية والمجتمعية. ويُتوقع أن تشهد المرحلة القادمة تطوير معايير إرشادية أكثر تخصصًا، وتوسيع نطاق التعاون بين الجهات المهنية والشرعية، بما يسهم في توحيد الممارسات وتقليل التباين في التفسير والتطبيق.
نحو نموذج سعودي متكامل للتدقيق
إن بناء نموذج سعودي متكامل للتدقيق يتطلب رؤية شمولية تجمع بين الامتثال للشريعة، والالتزام بالمعايير المهنية، والاستفادة من الخبرات والتقنيات الحديثة. ويأتي هذا التوجه استجابةً لاحتياجات السوق المحلية، ودعمًا لمسيرة التنمية الوطنية، وتعزيزًا لمكانة السعودية كنموذج رائد في مواءمة القيم مع الممارسات المؤسسية المتقدمة، عبر تبني استشارات التدقيق الداخلي كأداة استراتيجية لتحقيق هذا التوازن المنشود.
اقرأ أيضًا: